أبي حيان الأندلسي
294
البحر المحيط في التفسير
فلا يقال فيها : لا جناح عليكم ، إنما يقال : في المباحات والتجارة إن أوقعت نقصا في الطاعة : لم تكن مباحة ، وإن لم توقع نقصا فالأولى تركها ، فهي إذا جارية مجرى الرخص . وتقدم إعراب مثل : أن تبتغوا ، في قوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما « 1 » و : من وبكم ، متعلق : بتبتغوا ، و : من ، لابتداء الغاية ، أو بمحذوف ، وتكون صفة لفضل . فتكون : من ، لابتداء الغاية أيضا ، أو للتبعيض ، فيحتاج إلى تقدير مضاف محذوف أي : من فضول . فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ قيل : فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة ، لأن الإفاضة لا تكون إلّا بعده . انتهى هذا القول ، ولا يظهر من هذا الشرط الوجوب ، إنما يعلم منه الحصول في عرفة ، والوقوف بها ، فهل ذلك على سبيل الوجوب أو الندب ؟ لا دليل في الآية على ذلك ، لكن السنة الثابتة والإجماع يدلان على ذلك . وقال في ( المنتخب ) : الإفاضة من عرفات مشروطة بالحصول في عرفات ، وما لا يتم الواجب إلّا به وكان مقدورا للمكلف فهو واجب ، فثبت أن الآية دالة على أن الحصول في عرفات واجب في الحج ، فإذا لم يأت به لم يكن إيتاء بالحج المأمور به ، فوجب أن لا يخرج عن العهدة ، وهذا يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة شرطا . انتهى كلامه . فقوله : الإفاضة من عرفات مشروطة بالحصول في عرفات ، كلام مبهم ، فإن عنى مشروط وجودها ، أي : وجود الإفاضة بالحصول في عرفات ، فصحيح ، والوجود لا يدل على الوجوب ، وإن عنى مشروط وجوبها بالحصول في عرفات فلا نسلم ذلك ، بل نقول : لو وقف بعرفة واتخذها مسكنا إلى أن مات لم تجب عليه الإفاضة منها ، ولم يكن مفرطا في واجب إذا مات بها ، وحجه تام إذا كان قد أتى بالأركان كلها . وقوله : وما لا يتم الواجب ، إلى آخر الجملة ، مرتبة على أن الإفاضة واجبة ، وقد منعنا ذلك وقوله : فثبت أن الآية دالة على أن الحصول في عرفات واجب في الحج ، مبني على ما قبله ، وقد بينا أنه لا يلزم ذلك ، و : إذا ، لا تدل على تعين زمان ، بل تدل على تيقن الوجود أو رجحانه ، فظاهره يقتضي أنه : متى أفاض من عرفات جاز له ذلك ، واقتضى ذلك أن الوقوف بعرفة الذي تعتقبه الإفاضة كان مجزيا .
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 158 .